زواج الأنوار الملكوتية
زواج الأنوار الملكوتية
نعم؛
هما الأنوار الملكوتية القدسية؛.
هما مهبط الملائكة ومنبع البركات النورانية الإلٰهية.
ويحٌ للقلم من أين له أن يأتي بحروفٍ سماوية ليست كحروف المعاجم
الأرضية.
أنا وقلمي في حيرة من أمرنا فعلاً هذه المرة!
فمهما سقنا من عجائب القول واستبرق الكلام وأحطنا الحروف
بالقناطير المقنطرة من العسجد والزبرجد والذهب فلن نصل إلى معشار عُشْر عُشرِ ذرةٍ
من تراب الحيدر الكرار والزهراء بضعة الرسول صلى الله عليهم وبارك وسلم.
فما بالكم لو كان الحديث عن زواجهم السماوي الذي تم بأمرٍ
إلٰهي وإشراف ملائكي ورعاية نبوية ؛ لا إلٰه إلا الله حقا حقا يا له من
شرفٍ أن أسخر القلم للحديث عن هذا الزواج المبارك الأعجوبة.
فهلموا بنا نبحر في جمال هذه القصة الرائعة التي تلامس شغاف
القلوب وتزيدها سكينة ووقارا وطمأنينة وهي بمثابة أعظم الدروس المجتمعية في تاريخ
البشرية لما تضمنته من عبر عظيمة ورسائل رائعة وماتعة وشاملة وخالدة تساهم في
الإرتقاء بالمجتمع إلى أسمى وأرقى القيم في التاريخ الإنساني.
نشأت الزهراء عليها السلام في بيت سيد الأكوان رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم وفي حجر خديجة الكبرى عليها سلام الله
وبركاته يكفيها ذلك. ماذا يمكن أن تتوقعوا أن أكتب أو أخط بقلمي؟
وقد نشأت في بيت هو مهبط الوحي والملائكة أبوها رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمها خديجة الكبرى وهي
الزهراء بضعة الرسول وزوارهم الملائكة وجبريل عليهم السلام
فماذا يمكننا أن نقول بعد ذلك؟
وقد حاول كبار قريش والصحابة نيل هذا الشرف السماوي العظيم فلم
يقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فكان رد نبي الرحمة (بأنه لم ينزل
القضاء بعد) سبحان الله؛ كيف أن زواج الزهراء عليها السلام لا يتم إلا بأمر فاطر
السماوات والأرض؟
ثم أتى الإمام عليه السلام خاطبا وقَدِم إلى
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لكي تقترن الأنوار والبركات والرحمة والجمال.
تقول الرواية:
"جاء الإمام علي(عليه السلام) إلى رسول الله(صلى الله
عليه وآله) وهو في منزل أُمّ سلمة، فسلّم عليه وجلس بين يديه، فقال له النبي(صلى
الله عليه وآله): «أتَيْتَ لِحاجَة»؟ فقال الإمام(عليه السلام): «نَعَمْ،
أتَيتُ خاطباً ابنتك فاطمة، فهلْ أنتَ مُزوِّجُني»؟
قالت أُمّ سلمة: فرأيت وجه
النبي(صلى الله عليه وآله) يَتَهلّلُ فرحاً وسروراً، ثمّ ابتسم في وجه الإمام
علي(عليه السلام)، ودخل على فاطمة(عليها السلام) وقال لها: «إنّ عَليّاً قد ذكر عن
أمرك شيئاً، وإنّي سألتُ ربِّي أن يزوِّجكِ خير خَلقه، فما تَرَين»؟ فسكتت، فخرج
رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو يقول: «اللهُ أكبَرُ، سُكوتُها إِقرارُها»،
فأتاه جبرائيل(عليه السلام) فقال:
يا محمّد، زوّجها علي بن أبي طالب، فإنّ الله قد رضيها له ورضيه لها".
الله أكبر الله أكبر...
الله بعظمة جلاله يرسل سيدنا جبريل عليه السلام لكي يخبر سيد
البشر بمباركته هذا الزواج العظيم وأنه قد ارتضى الإمام علي عليه السلام للزواج من
الزهراء البتول عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
لكي يخبر الصحابة بهذا الخبر العظيم وبعد أن أتت الموافقة الربانية خطب رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة خالدة ختمها بآية: "وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسبا وصهرا وكان
ربّك قديرا". ثم توجه
بالحديث للإمام علي عليه السلام قائلا: "ثمّ إنّ الله أمرني أن أزوّج فاطمة من
علي، وإنّي أشهد أنّي قد زوّجتها إيّاه على أربعمائة مثقال فضّة، أرضيتَ»؟ قال(عليه
السلام): «قد رضيت يا رسول الله»، ثمّ خرّ ساجداً، فقال رسول الله(صلى الله عليه
وآله): «بارك الله عليكما، وبارك فيكما، وأسعد جدّكما، وجمع بينكما، وأخرج منكما
الكثير الطيّب(".
ولعمري؛
إن الله قد أخرج منهم الكثير الطيب المبارك القدسي إلى يوم
الدين.
فأتى الإمام علي عليه السلام بالمهر إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فأمر الإمام عليه السلام بأن يجعل ثلثه في الثياب وثلثا في الطيب
ثم قبض منه قبضة وأعطاه لسيدتنا أم سلمه رضوان الله عليها وقال لها (أبقيه عندك) ، ثم أمر
الإمام أن يصنع طعاما لأهله وللعرس وقال له من عندنا اللحم والخبز وعليك التمر
والسمن .وأخذ
الرسول يشدخ التمر في السمن ويعمل بيده الشريفة المباركة بأبي هو وأمي ما أعظمه وكان
الإمام عليه السلام متوجسا ألا يكون الطعام كافيا للحضور خاصة وأنه زواج لا مثيل
له ، فقال:
سيد البشر ومنبع النور والرحمة صلى الله عليه وآله وسلم سأدعو بالبركة.
فما الذي جرى؛
رغم أن الطعام لا يكفي للعشرات فقد أكل منه أربعة آلاف من
الصحابة حتى شبعوا ولم ينقص من الطعام شيئا، وهذه من الآيات البينات على أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم صاحب المعجزات البينات المبهرات الذي إذا وضع ريقه
الشريف في المهامه والقفار والصحاري الخالية تفجرت أنهارا عذبة زلالاً لذة للشاربين،
سبحان من كونه فداه نفسي وأهلي ومهجتي وروحي. ثم أمر الزهراء عليها السلام أن تركب
بغلته الشهباء وأمر سيدنا سلمان الفارسي أن يقود البغلة إلى بيت أمير المؤمنين
عليه سلام الله، وأمر الهاشميات ونساء المهاجرين والأنصار أن يصحبوهم ولايقلن إلا
مايرضي الله، وعندما التقت الأنوار النبوية بالإشراقات العلوية في السنة الثانية
من الهجرة في المدينة المنورة .أخذ النبي علياً(عليه السلام) بيمينه وفاطمة(عليها السلام) بشماله،
وضمّهما إلى صدره، فقبّل بين أعينهما، وأخذ بيد فاطمة فوضعها في يد علي، وقال:
«بارك الله لكَ في ابنة رسول الله» وقال(صلى الله عليه وآله): «يا علي، نعم الزوجة زوجتك»، وقال:
«يا فاطمة، نعم البعل بعلك»، ثمّ قال لهما: «اذهبا إلى بيتكما، جمع الله بينكما
وأصلح بالكما»، وقام يمشي بينهما حتّى أدخلهما بيتهما.
ليتني كنت حاضرا أُقَبِّل أقدامهم الشريفة وأرتقي إلى الجوزاء
في عليائها حتى أطئها بأخمص قدمي تحت أقدامهم القدسية.
ونستطيع استخلاص أعظم العبر والقيم السامية الراقية من تصرف
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ورحمته ورأفته مع الإمام عليه السلام وتواضعه الذي
لم يذكر التاريخ له مثيلا وعدم المغالاة في المهور كما يفعل بعض الآباء الذي هو أقرب
للتاجر الذي يبيع ابنته إلى الزبون في تسليعٍ رخيص ومهين
وتركوا سنة سيد الأكوان عليه أفضل
الصلاة وأتم التسليم ولم يقتدوا به وخالفوا أوامر الله ورسوله، قال تعالى: " لقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا".
وتجلت الحكمة الإلٰهية في هذا الزواج الطاهر النوراني السماوي
فكانت النتيجة أن رسول الله وأهل الكساء وذريتهم كانوا حبل الله الممدود الذي
يستنقذ المؤمنين والصالحين والموالين المخلصين من كدر الدنيا وينجيهم من عذاب
البرزخ وجحيم الآخرة وكانوا أسياد الجنة وسفينة النجاة كما
أخبرنا نبي الرحمة التي من ركبها نجى ومن تخلف عنها هلك وغرق في طوفان الضلالة
وأمواج الهلاك إلى الأبد.
فكانت قاعة الزواج القدسي السماوات والأرض ومن بارك
الزواج هو الله سبحانه بعظمته وجلاله وولي الأمر رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم والشهود الملائكة وزينة
العرس أنوار النجوم والمجرات والأفلاك والزوج هو الحيدر الكرار عليه السلام والزوجة هي
بضعة الرسول الزهراء عليها سلام الله وبركاته، فماذا يمكن للقلم أن يكتب ويخط عن
عظمة هذه الأنوار ولو حوى كل معاجم المعمورة وكانت كل محيطات الأفلاك والمجرات
مدادا له فلن يستطيع وصف مثقال ذرةٍ من نورانيتهم.
اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى أهل بيته الطيبين
الطاهرين صلاةً أبدا سرمدا مباركة قدسية أبدية أزلية
إنك حميدٌ مجيدٌ.
حمدان آل مخلص