أمير المؤمنين ؛ شهيدُ المحراب الأمين


ليس الحديث عن الإمام علي عليه السلام كأي حديث عن أي شخصية أخرى...

وليس من السهل أن تكتب عن هذه الشخصية الملائكية النورانية العظيمة مهما كنت تملك من بلاغةٍ وفصاحةٍ وأدب وعلم ولو بلغت أعظم مبلغٍ فيها دون أن يرتجف قلمك وتتردد مرارا وتمسح وتكتب تكرارا ويتوه فكرك في خصاله محتارا !!
ماذا أقول في الإمام والفاروق الأعظم وسيد الأوصياء الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"ياعلي لايحبك إلا مؤمن ولايبغضك إلامنافق" ، فكان بمثابة الميزان الإلٰهي الذي يعرف به المؤمن من المنافق وماأعظمها من مرتبة وماأعظمه من ميزان ..
ماذا تقول في فارس الفرسان ومرعب الشجعان عندما انهزم المسلمون في أحد فثبت هذا الإمام الهمام أمام الكتائب من صناديد قريش يردها لوحده حتى هبط جبريل عليه السلام من السماء وشهد له عليه السلام شهادته الخالدة عندما قال لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "لافتى إلا علي ولاسيف إلاذوالفقار". فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مفاخراً بهذا الإمام العظيم قائلاً" :هو مني وأنا منه" . فرد عليه سيدنا جبريل عليه السلام بقوله: "وأنا منكما". جبريل بذاته ينسب نفسه لهذه العترة الطاهرة لعظمتها وقدسيتها.
الله أكبر؛؛
فماذا عن المسلمين ؟ مالهم لا يسارعون للتثشبث بسفينة النجاة ما دفع حسان بن ثابت إلى أن يقول هذه الأبيات الرائعة:
جبريل نادى معلنًا  :: والنقع ليس بمنجلي
والمسلمون قد أحدقوا :: حول النبي المرسلِ
لا سيف إلا ذو الفقار :: ولا فتى إلا علي
نعم!  لا فتى إلا علي. وكيف لا؟
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث العظيم المتواتر المستفيض بعد انهزام المسلمين أمام اليهود مرتين أمام حصن خيبر وفارسهم مرحب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبُه الله ورسولهُ ويحب الله ورسوله كرارا غير فرار يفتح الله على يديه"، ثم نادى على الإمام علي عليه السلام وقد كان لايرى من الرمد على عينيه فمسح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريقه الملائكي القدسي على عينيه فأبصر من ساعته، كيف لا؟ وريقه الذي يفجر الصحاري اليابسة والآبار الجافة فيحيلها أنهارا عذبة زلالا لذة للشاربين سبحان الله !!
ثم حمل الراية وواجه مرحب الذي يعدل ألف فارس وأرهب الجميع وقتل المسلمين وآذاهم، فصدمه الإمام عليه السلام وصال وجال كالأسد الهصور حتى جندل هذا الفارس الأسطورة وصرعه فورا ثم اقتلع باب الحصن الذي لا يطيق حمله أربعون من الرجال الأشداء وأحاله إلى درعٍ يتدرع به بتأييدٍ من السماء لسموه وعلو مكانته كما أخبرنا الرسول الذي لا ينطق عن الهوى بحب الله ورسوله له وحبه لهما.
 ماذا أكتب وماذا أقول في إمامٍ نزلت فيه أعظم الآيات وهو يتصدق حتى في صلاته رغم قلة ماله عليه السلام فتصدق للسائل ومد خاتمه وهو راكع فنزلت الآية التي تثبت ولايته وتشهد بعظمته في قوله تعالى: "إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" وقد ثبت عند أغلب المفسرين من شتى الفرق الإسلامية بأن الآية نزلت في الإمام علي عليه السلام.
الله أكبر؛
فداك روحي يا مولاي،،
ماذا أقول في إمامٍ قال عنه الله في محكم تنزيله:  "وإنه لدينا في أمِّ الكتاب لعلي حكيم".  "وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليا" ووصفه بالنبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون.
وسبحان الله؛ 
هاهم الناس فيه مختلفون ومحتارون وصاروا مابين محب ومبغض فكان بالفعل هو الميزان الإلٰهي حقا كما وصفه رسول الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم  في هذه الأيام نرجع بالذاكرة القهقرى ونتذكر استشهاد الإمام العظيم وأمير المؤمنين عليه السلام شهيد المحراب بعد أن قضى حياته كلها في خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة المحمدية النبوية الإلٰهية الخالدة وفدى بنفسه عن النبي عليه السلام في كل موطن وكان حامل راية سيد البشر منذ أن ولد في جوف الكعبة (خاصة بالإمام علي عليه السلام لا قبله ولا بعده )المولد النوراني المبارك وحتى استشهاده في محراب الصلاة بضربةٍ من ابن ملجم لعنه الله فسال دمه على رأسه الشريفة وسالت السماء تنزف من هذه الفعلة التي اهتزت منها السموات والأرض وانهدت منها أركان الهدى وطمست أعلام الهدى .
وقد رُوي عن أمير المؤمنين أنه قال: دخلت يوماً على رسول الله وفاطمة والحسن والحسين فبكى حين رآنا، وقال بعض من حضر: أما تَستَرُّ برؤيتهم يا رسول الله؟ فقال: والذي بعثني بالحق نبياً أنا وهم لأكرم الخلق على الله تعالى وما على وجه الأرض نسمة أحب إليّ منهم، أما علي بن أبي طالب فانه أخي، وابن عمي، وخليفتي، ووصيي على أهلي وأمتي في حياتي وبعد وفاتي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، وهو مولى كل تقي، بولايته صارت أمتي مرحومة، وإنما بكيت على ما يحل بهم بعدي من غدر الأمة، وانه يزال عن مقامه ومحله ومرتبته التي وضعه الله فيها، ثم لا يزال كذلك حتى يضرب على قرنه في محرابه ضربة تخضب لحيته ورأسه في بيت من بيوت الله، في أفضل الشهور شهر رمضان، في العشر الأواخر منه، يضربه بالسيف شر الخلق والخليقة، ثم استعبر وبكى بكاءً شديداً.
الله أكبر؛
حق لنا أن نبكي على الإمام آناء الليل وأطراف النهار، ألهذه الدرجة يارسول الله كنت تحب أهل البيت والعترة الطاهرة عليك الصلاة والسلام؟ ألهذه الدرجة كان الإمام علي عليه السلام عظيم القدر جليل المكانة عندك؟ ماذا ستقول فيمن يعتبر حب الإمام اقتداءً بك غلواً وتعظيمه بدعةً والعياذ بالله ونبذ وصيتك وراءه ظهريا؟
وفي قصة استشهاده من العبر والحكم العظيمة التي تجعل الإنسان يقف مذهولا متعجبا من مدى شجاعة وإيمان وصبر وعزيمة وقوة هذا الإمام الرباني الملائكية القدسانية، وقد استشهد عليه السلام وعمره ٦٣ عاما كعمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 ففي رمضان عام أربعين للهجرة كان الإمام عليه السلام كان يوزع الأيام بين أبنائه فكان يفطر يوما عند الحسن ويوما عند الحسين وآخر لزينب الكبرى ويوما عند زينب الصغرى التي تكنى بأم كلثوم عليهم سلام الله أجمعين ، "وفي الليلة التاسعة عشر كان الإمام في دار ابنته أم كلثوم فقدمت له فطوره في طبق فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن حامض وجريش ملح، فقال لها: قدمت إدامين في طبق واحد وقد علمت أنني متبع ما كان يصنع ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قدّم له إدامان في طبق واحد حتى قبضه الله إليه مكرماً، ارفعي أحدهما فإن من طاب مطعمه ومشربه طال وقوفه بين يدي الله. فرفعت اللبن الحامض بأمر منه وأفطر بالخبز والملح.  قالت أم كلثوم: ثم أكل قليلاً وحمد الله كثيراً وأخذ في الصلاة والدعاء ولم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرّعاً إلى الله تعالى، وكان يكثر الدخول والخروج وينظر إلى السماء ويقول: هي، هي والله الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول الله. ثم رقد هنيئة وأنتبه وجعل يمسح وجهه بثوبه ونهض قائماً على قدميه وهو يقول: اللهم بارك لنا في لقائك. ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، وجلس للتعقيب ثم نامت عيناه وهو جالس،فانتبه من نومته، فقال لأولاده: إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني، وأريد أن أقصها عليكم. قالوا: ما هي؟ قال: إني رأيت الساعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الأواخر من شهر رمضان، فهلمّ إلينا فما عندنا خير لك وأبقى. قالت: فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثم أقبل عليهم يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر".
ما أعظمك يا أمير المؤمنين. أي زهدٍ هذا وأي خلق ملائكيٍ مقدس!!
وهاهم الملائكة ورسول الله ينادونك مشتاقون فما بالك بشيعتك الذين طال عليهم الزمن وأرّقهم الشوق والحب لرؤيتك ولقياك متى سيمتعني الله برؤيتك وتقبيل قدميك الطاهريتين الشريفتين متى يامولاي متى؟
وعندما هم بالخروج من عند ابنته ليذهب لمسجده تعلق الباب بمئزره فانحل ثم شده وهو يقول
أشدد حيازيمك للموت :: فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت  :: إذ احلّ بـناديكا
كما أضحكك الـدهر :: كذاك الدهر يبكيكا
ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت، اللهم بارك لنا في لقائك. قالت أم كلثوم: وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك قلت: و اغوثاه يا أبتاه أراك تنعى نفسك منذ الليلة. قال: يا بنية ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت يتبع بعضها بعضا، ثم فتح الباب وخرج إلى المسجد وهو ينشأ ويقول:
خـلوا سبيل المؤمن المجاهد  :: فـي الله ذي الكتب وذي المشاهد
فـي الله لا يـعبد غير الواحد  :: ويوقظ الناس إلــى المسـاجد
الله الله الله الله 
عليك سلام الله يا مولاي يا أشجع الشجعان ويا سيد الفرسان. كيف ذهب يلاقي الموت بكل شجاعةٍ و إيمان وصبرٍ وجلد؟
ثم دخل أمير المؤمنين عليه السلام المسجد وأذن الأذان العظيم بصوته جعلنا ممن يتمتع بسماعه وإياكم حتى اخترق كل بيت ومسمع في الكوفة وبعد فراغه من الأذان وهو يسبح ويهلل ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أخذ يتفقد النائمين ويحثهم على النهوض والصلاة ويقول الصلاة الصلاة يرحمك الله تخيل الإمام وهو يتفقدك وأنت نائم.
الله؛
أي سعادةٍ وأي رزقٍ أعظم من أن تفتح عينيك على الإمام عليه السلام ليؤمك بعدها في الصلاة.
الله أكبر؛
وعندما وصل إلى ابن ملجم اللعين وهو نائم نومة الشيطان على وجهه وسيفه تحت إزاره "قال له الإمام: يا هذا قم من نومتك هذه فإنها نومة يمقتها الله، وهي نومة الشيطان ونومة أهل النار، بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء، أو على يسارك فإنها نومة الحكماء، أو نم على ظهرك فإنها نومة الأنبياء. ثم قال له الإمام: لقد هممت بشيء تكاد السماوات أن يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، ولو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك. ثم تركه واتجه إلى محرابه ليصلى عند اسطوانته المعهودة التي يصلي عندها دائما التي لا طالما حفتها الملائكة ترفرف بأجنحتها حول الإمام عليه السلام محبة وشوقا، وابن ملجم اللعين الجبان يراقبه وقد نقع سيفه بالسم أياما عديدة واختبأ خلف الأسطوانة هذا الجبان وعندما رفع الإمام رأسه من السجود عاجله اللعين بضربةٍ على رأسه الشريف، فوقع في دمه وهو يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم صدح بصوته عاليا وهو يقول فزت ورب الكعبة". وروي أنها "اصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائكة في السماء وهبت ريح عاصفة سوداء مظلمة، ونادى جبرائيل بين السماء والأرض: تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء".
يالله يالله؛
يامولااااااااااااااااااي.
نعم ورب الكعبة قد فزت منذ أن كنت نورا في أصلاب آبائك الطاهرين ويوم ولادتك في الكعبة وجهادك في الإسلام وعبادتك التي لاتفتر عنها ويوم استشهادك في محرابك صائما في شهر الله المعظم. ثم هرب اللعين ابن ملجم وقد ضاقت به طرقات الكوفة حتى قبض عليه حذيفة النخعي وأتى به أسيرا ذليلا يكاد قلبه يخرج من الخوف فأمر الإمام عليه السلام بالإحسان إلى الأسير ووصاهم بضربه بالسيف كما ضربه إذا مات من ضربته ونهى عن التمثيل به اقتداءً بمعلمه ومربيه سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كان الإمام يحسن إلى هذا اللعين ويؤويه فلاقى الإحسان بأسوأ وأشنع جريمة مرت على تاريخ البشرية جمعاء.
ولنستمع إلى محمد بن الحنفية وقصة استئذان ودخول الصحابي الموالي الشهيد الجليل حجر بن عدي رضوان الله عليه على الإمام علي عليه السلام، يقول ابن الحنفية رضوان الله: "بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي وقد نزل السم إلى قدميه، وكان يصلي تلك الليلة من جلوس، ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا عن نفسه، ويخبرنا بأمره إلى طلوع الفجر، فلما أصبح استأذن الناس عليه فأذن لهم بالدخول، فدخلوا عليه واقبلوا يسلمون عليه وهو يرد عليهم السلام ثم يقول: أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني، وخففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم. فبكى الناس بكاء شديدا، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه فقام إليه حجر بن عدي الطائي وانشد قائلا:
فيا أسفي عـلى المولى التقي :: أبي الأطهار حيدرة الزكي
قتله كافر حنث زنيم  :: لعين فاسق نـغل شقي
فيلعن ربنا من حاد عنكم  :: ويبرء منكم لعـناً وبيّ
لأنكم بيوم الحشر ذخري  :: وأنتم عدة الهادي النبي
فلما بصر به الإمام وسمع شعره قال له: كيف بك إذا دعيت إلى البراءة مني؟ فما عساك أن تقول؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا، وأضرمت لي النار وألقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك. فقال (عليه السلام): وفقت لكل خير يا حجر، جزاك الله عن أهل بيت نبيك.
وصدقت يا حجر عليك سلام الله ورضوانه فقد حبسه معاوية اللعين مع ابنه ومن معه من أصحابه وطلب منه البراءة من الإمام عليه السلام أو التقطيع والقتل بالسيف فآثر الآخرة على الدنيا واختار الولاية فقطعوا ابنه وفلذة كبده أمام عينيه ثم قطعوه هو وأصحابه وقتلوهم ولم يرتكبوا جرما وكانت تهمتهم حب أمير المؤمنين عليه السلام وولايته، وما أعظمها وأحلاها وأجملها من تهمة. ياليتني أموت شهيدا على الولاية.
هنيئاً لك يا حجر وطبت حيا وميتا.
ثم استشهد الإمام عليه السلام بعد ثلاث ليالٍ من ضربة اللعين الشقي بعد أن سرى السم في جسده الشريف وانتقل في الحادي والعشرين من رمضان المعظم وقد كانت الملائكة تحمل السرير مع الحسن والحسين عليهم السلام ثم أوصاهم بوصيته العظيمة والمعروفة.
وقد أخبرهم الإمام عليه السلام بأنهم سيجدون قبرا ولحدا مثقوباً وقال للحسن عليه السلام تفقدني بعد أن تضعني فإنك لن تجدني لأنه ما من نبيٍ يموت في المشرق ووصيه في المغرب إلا جمع الله بينهما. وأمره بإخفاء موضع القبر.
وعندما عاد الحسنان وخواصهما والناس بعد هذا المصاب الجلل مروا بخربة في الكوفة ووجدوا رجلا يكاد يتقطع من البكاء والحنين وقد وضع رأسه على لبنة فاقترب منه الحسنان وسألاه عن حاله وكانت المفاجأة وهذه القصة العظيمة المبكية، ولنرى ماذا قال هذا الرجل:
قال: إني رجل غريب، لا أهل لي قد أعوزتني المعيشة وأتيت إلى هذه البلدة منذ سنة، وكل ليلة يأتيني شخص إذا هدأت العيون، بما أقتات به من طعام وشراب ويجلس معي يؤنسني ويسليني عما أنا فيه من الهم والحزن، وقد فقدته منذ ثلاثة أيام.
فقالا له وهما يبكيان: صفه لنا.
فقال: إني مكفوف البصر لا أبصره.
فقالا: ما اسمه؟
قال: كنت أسأله عن اسمه فيقول: إنما أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة.
فقال: اسمعنا من حديثه.
قال: دأبه التسبيح والتقديس والتكبير والتهليل، وإن الأحجار والحيطان تجيب بإجابته وتسبح بتسبيحه.
فقالا: هذه صفات سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).
فقال الرجل: ما فعل الله به.
فقالا (عليهما السلام) وهما يبكيان: قد أفجعنا فيه أشقى الأشقياء ابن ملجم، وها نحن راجعون من دفنه.
فلما سمع الرجل ذلك منهما لم يتمالك دون أن رمى بنفسه على الأرض وجعل يضرب برأسه الصخور، و يحثو على رأسه التراب، ويصرخ صراخ المعولة الفاقدة، فأبكى من كان حاضرا ثم قال لهم: بالله ما اسمكما واسم أبيكما؟ فقالا له: أبونا أمير المؤمنين (عليه السلام) علي بن أبي طالب، وأنا الحسن وهذا أخي الحسين وهؤلاء بقية أولاده وأقربائه، وجملة من أصحابه راجعين من دفنه. فقال: سألتكما بالله وبجدكما رسول الله وأبيكما ولي الله إلا ما عرجتما بي على قبره لأجدد به عهدا فقد تنغص عيشي بقتله، وتكدرت حياتي بعد دفنه. فأخذه الحسن (عليه السلام) بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى والناس من وراءهما بالبكاء والعويل، حتى أتوا إلى قبره المنور، فجثى عليه ذلك الرجل وجعل يمرغ جسمه عليه، ويحثو التراب على رأسه حتى غشي عليه، وهم حوله يبكون وقد أشرفوا على الهلاك من كثرة البكاء والنحيب.

يالله ...
فلما أفاق من غشوته رفع كفيه إلى السماء وقال: اللهم إني أسألك بحق من سكن هذه الحفرة المنورة أن تلحقني به وتقبض روحي إليك، فإني لا أقدر على فراقه. فاستجــاب الله دعاءه، فما وجدوه إلا مثل الخشبة الملقاة،))!!! فجهزوه ودفنوه بجنب أمير المؤمنين (عليه السلام)  لاإلٰه إلاالله يا لها من حادثة .
عليك سلام الله يامولاي. 
لم تَحِد ولم تمل قيد أنملة ولا مقدار ذرة عن سيرة معلمك وقدوتك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتبعت سنته في كل شأن من شئون حياتك وطبقتها حتى في مأكلك ومشربك .ولذلك نحن متمسكون ومتشبثون بحبك واتباعك والعترة الطاهرة ولو قٌطِّعت أوصالنا إربا ولو مر من الأزمان والدهور حقبا.
وأختم بهذه الأبيات التي كتبتها مؤخراً في مولاي وتاج رأسي أمير المؤمنين عليه السلام
يالله تنصر دعوة الحق والخير :: دعوة ولي الله راعي العجايب
الحيدر الكرّار وقت المعاسير :: مادمت أحبه ماحسبت الحسايب
تشهد له الجنات والإنس والطير :: وتشهد له الأرضين وقت الحرايب
وجبريل يشهد له من الله تقدير:: ذاك الفتى قد جاب كل الكسايب
يا جاعل البيبان في خيبر تطير ::ومركع الكفّار وأهل الخرايب
أصدح بحبك لا ولا فيه تبرير :: و أدعس على خشم العدو في النوايب
سجل وحطه عندك اليوم تقرير :: ان الولاية دربها دوم صايب ...
نحن بمشيئة الله على ولايتكم ثابتون  :: مهما مضى من دهورٍ أعوامٍ وسنون
اللهم أسألك بحق الكاف والنون :: أن تحشرنافي زمرة النبي وآله الطيبون
سلام الله عليك يا مولاي يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا

اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين صلاةً أبداً سرمداً مباركةً لاتُحَدُّ ولا تُعد ولا تُحصى وبارك وسلم تسليما كثيرا.

حمدان آل مخلص