أحزان كربلاء (١)
تحدثنا في المقالة السابقة عن سلسلة مقالات قادمة تبحث في أسباب حادثة كربلاء وخروج الحسين عليه السلام نصرة لدين جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسبابها وبدايات هذا الأمر ومسبباته وماأفضى إليه من نتائج وعبر وارتكاب النواصب وبني أمية أعظم جريمة في تاريخ الأمم السالفة واللاحقة
ونستهل السلسلة بهذه المقالة التي سنبحث فيها المسببات الرئيسية لمعركة كربلاء واستشهاد الحسين وأصحابه عليه السلام وعلى أهله واخوته وأصحابه الميامين النجباء
وإذا أردنا أن نعرف الأسباب التي أدت لهذه الجريمة البشعة والإعتداء على أطهر وأقدس البشر فلا بد لنا من أن نعرّج على الأحداث التي جرت في الزمن الذي سبق الحادثة وتحديدا في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكيف استطاع أعداء أهل البيت والمنافقون تحديدا من التغلغل إلى رأس السلطة وتمكين رقاب بني أمية الفجار المنافقين من رقاب الناس والتوطئة لهم حتى يحكموا قبضتهم على مقاليد الأمور والعبث بدين الأمة وتشويه معالمه وإفراغه من مضامينه الحقيقية
فمعركة كربلاء ليست جزءاً مقتطعا من التاريخ حدثت هكذا فجأة دون مقدمات أو أسباب
وإنما هي نتيجة مأساوية لمقدمات وأحداث جرت وهيأت لها بسبب جرأة من يسمونهم كبار الصحابة على عصيان أوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وهو قائم بينهم
ومن البديهي أن يتطاولوا بعد ذلك على عترته وذريته وأهل بيته إمعانا في العصيان والتمرد على شرع الله وتعاليم رسوله وقيم هذا الدين المبارك الحنيف
وقد كانت العرب في الجاهلية قبل قدوم أنوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعيش في غابة متوحشة يأكل فيها القوي الضعيف ويفترس ذوو السلطة الفقراء والمستضعفين ويستعبدونهم دون رادع أو ضابط أخلاقي أو عقاب أو قانون
يغير بعضهم على بعض ويقتلون بعضهم الآخر ويسبون النساء اللائي كن مع الأطفال الضحية الكبرى لهذه الحروب العبثية والقيم البائسة
ومن باب الإنصاف أنه كان هناك مكارم أخلاق يتصف بها العربي كالكرم والمروءة والشجاعة ولكنها لم تكن منضبطة بضوابط سليمة تقومها وتجعلها منهج حياة كما صنع سيد البشر لاحقا عندما أكملها وقننها وأضفى عليها شرعا نبويا جعلها من أرقى القيم العالمية والإنسانية على مر التاريخ
وقد وصل بالعرب البؤس أنهم كانوا يقتتلون على الكلمة وعلى السباق وعلى الناقة وعلى المرأة حتى أصبحت حياتهم دماءً وثارات وتفاخر أهوج وخوف بسبب هذه المفاهيم الكارثية المغلوطة
ناهيك عن الجو السياسي العام السائد آنذاك والحروب التي كانت تقوم بالوكالة بين الروم والفرس عبر أدوات عربية والعملاء العرب كالغساسنة الذين يخدمون أجندات أباطرة الروم والمناذرة الذين ينفذون المخططات الكسروية الفارسية
فكان الغساسنة يجندون حلفائهم من القبائل العربية ضد حلفاء المناذرة وتقع الحروب وتسفك الدماء
والمتحاربون هم العرب والدماء عربية وأدوات التنفيذ عربية
وماأشبه اليوم بالبارحة
هاهم الغرب ( الروم ) والفرس يقيمون حروبهم بالوكالة على حساب الدماء والأوطان العربية
وقد استمر العرب في هذا الهرج والمرج حتى أشرقت أنوار النبوة المحمدية وجاءهم رسول الله بدين الرحمة والهدى وأسمى معاني العدالة الإلهية فانتشلهم من وحل الظلمات والبؤس والعبودية إلى سماء الحرية والسمو وقيم العدالة والمساواة وإلى كلمة سواء
ووحد صفوفهم ولم شعثهم بعد أن حاربوه وتكالبوا عليه فنصر الله عبده وانهزم الأحزاب وأصبحت كلمة الإسلام هي العليا
وقضى على الظلم وأخمد الفتن والحروب وأنصف النساء والمستضعفين ونشر العدل والأمن حتى استقرت الأوضاع وانتعشت بلاد العرب وأصبح لهم دولة يحسب لها الجميع حسابا
ولكنها ليست دولة ملك وجبروت كما كانت إمبراطوريات فارس والروم
وإنما أرقى وأعظم دولة عرفها التاريخ لأنها قامت على أرقى وأسمى وأقدس القيم والمبادئ بفضل الله ورسوله والشريعة السمحاء
ومع ذلك لم يطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي مقابل رغم ماقاساه وماتعرض له من حروب من قريش والعرب وماصنعوه من أهوال وطوام وكوارث ومحاولات اغتيال لأطهر وأقدس وأعظم شخصية مرت في تاريخ العرب والأمم قاطبة وكأنهم يرغبون بالبقاء في الحضيض ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتشلهم رغما عنهم
فكان كل ماطلبه مقابل ذلك هو المودة لقرابته وأهل بيته ومحبتهم واتباعهم وطاعتهم
قال الله (( قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ))
وطهرهم الله في كتابه فقال
(( إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا))
وتطهيرا هي مفعول مطلق لتأكيد التطهير لأقدس وأجمل وأعظم ذرية عرفتها البشرية
فما الذي جرى !
كلنا يعرف أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خاض حروبا مريرة قاسية لتثبيت الدين ونشر رسالة الإسلام التي حملها بأمر رب العالمين
وقد وجد كبار قريش من طبقة التجار وساداتهم وكبرائهم كأبي جهل وأبناء ربيعة عتبة وشيبة وأبو سفيان وغيرهم من مخزوم وعبد شمس أن هذا الدين الجديد يهدد سلطتهم ونفوذهم وسيطرتهم على منافذ التجارة والأموال الطائلة التي كانوا يجنونها على حساب الفقراء والعبيد والمسحوقين
فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى دين يسمح بالمواساة بين الجميع والعدالة في توزيع الثروات وإلى توحيد الله ومحاربة دينهم في عبادة الأصنام اللات والعزى والشرك وماألفوه طوال هذه القرون من التمتع بكل هذه الثروات والنساء والخمور والنفوذ والقوة فاعتبروا الإسلام بمثابة أكبر تهديد يواجههم وعليهم التصدي له بأي وسيلة كانت
فبدأوا يعذبون من كان تحت سلطتهم وأيديهم ممن أعلن إسلامه وأخذوا يضايقون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وبدأت معها حرب شرسة قذرة وحملة دعاية لتشويه صورة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وهي الحملة التي فشلت تماما بسبب سيرة النبي الطاهرة المقدسة منذ طفولته مرورا بشبابه إلى بداية البعثة وهو معروف بالصدق والأمانة والشرف وأسمى وأرفع القيم ومكارم الأخلاق إلى جانب ماجمعه من نسب طاهر رفيع حيث كان في ذروة سنام المجد شرفا ونسبا وخلقا مع جماله الذي كان آية ومعجزة من معجزات الله وسبحان البارئ المصور
وصدق سيدنا أبو طالب عليه السلام حين قال
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمةٌ للأراملِ
يلوذ به الهُلاّك من آل هاشمٍ
فهم عنده في عصمة وفواضلِ
عليك سلام الله ياأبا طالب ماأجملك وأجمل شعرك ومواقفك وإيمانك
عليك سلام الله يامؤمن قريش
ياإمام التقى والهدى والإيثار
وقد أحسن حسان وأجاد في وصف المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فقال
وأحسن منك لم تر قط عيني
وأجمل منك لم تلدِ النساءُ
خُلقت مبرأً من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشاء
كل هذا الجمال والإعجاز الإلهي لم يردع بني أمية الملاعين وعلى رأسهم أبو سفيان رأس الكفر والنفاق والشقاق
فكان يحرض ليل نهار على قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو ومن اتبعه من الشياطين وكان لايكل ولايمل من التحريض وبث السموم وكان مع قومه من بني أمية من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالحكم بني أبي العاص الأبتر اللعين وعقبة بن أبي المعيط وابن أبي سرح يقودهم أبو سفيان في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وكان سيدنا أبو طالب عليه السلام طودا شامخا أمام كبار مشركي قريش الذين كانوا يهابونه ويعظمونه وهو عظيم من نسل العظماء الطاهرين
وهو سيد البطحاء وسيد سادات مكة
وعندما توفي سيدنا أبو طالب ازدادت الهجمة شراسة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولك أن تتخيل كم كان يعاني نبي الرحمة من كل هذا الهجوم الكبير والمتتالي وهو الذي لو أراد لأطبق الله عليهم الجبال ولخسف بهم الأرض
ولكنه فعلا الرحمة المهداة بأبي هو وأمي
يالها من رحمة ويالها من ملائكية وياله من جمال وإعجاز إلهي
وهذه العداوة من قبل بني أمية هي متأصلة ومتجذرة منذ قديم الزمان وعهد الآباء والأجداد
وقد أورد القاضي النعمان في المناقب والمثالب وكذلك في كتب السير والتراجم للقوم المخالفين
كيف كان أمية وأبوه عبد شمس يحسدون بني هاشم
ومن ضمنها أن عبد شمس كان يحسد أخاه الإمام هاشم عليه السلام وكان يكثر من السفر والاختلاف للشام حسدا ومنافسة لما ناله سيدنا هاشم عليه السلام من الرفعة والسمو والسيادة
وكذلك أمية الذي كان من أحط الناس خلقا وعملا مع حمله من عداوة لسيدنا عبد المطلب عليه السلام الذي كان الجميع يعظمه بما فيهم الملوك
إذن هي عداوة تاريخية متجذرة استمرت في الأعقاب وليست كربلاء بداية الحسد والبغضاء والكفر ضد معدن الرسالة وهبط الوحي
ولذلك لاغرابة في أن يتخذ رأس الأحزاب ورئيس المشركين أبو سفيان وولده وحفيده هذه المواقف والعداوة تجاه الرسول وأهل بيت النبوة عليهم صلوات الله وسلامه فهم الشجرة الشيطانية الخبيثة ضد شجرة النبوة والإمامة والطهر الهاشمي
((هنا مقالة بحثية مختصرة لمن أراد الاستزادة في معرفة آباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأجداده الطاهرين
http://fatimids.blogspot.com/2015/09/blog-post_1.html?m=1 ))
ولذلك قرر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة إلى يثرب
التي أصبحت فيما بعد مدينة النبي المنورة بنوره صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أسس الدعوة فيها وأصبح الأنصار جاهزون لنصرته والذب عن حياض الإسلام
وهاجر عليه الصلاة والسلام يحمل أعظم رسالة ونوره يسعى بين يديه لهداية البشر وانتشالهم من ظلمات الكفر وعبادة الأصنام إلى رحاب الإسلام وعبادة رب العباد
ولكن كفار مكة لم يتركوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في حال سبيلهم
فظلوا يحرضون عليه ويقيمون الدسائس والمؤامرات القذرة ويعقدون الصفقات مع يهود المدينة الملاعين الذين كفروا بما أتى حتى في توراتهم بأن النبي القادم هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ولكنهم كأبي سفيان وأمثاله خافوا على نفوذهم وأموالهم وجبروتهم وماكانوا يتمتعون به من سلطات أطغتهم عن اتباع الحق
واستمر أبو سفيان في الكيد للإسلام والمسلمين وكان يبتز هو وكفار قريش وبني أمية من أسلم وهاجر مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويؤذي من بقي في مكة ويعذبهم وينهب دورهم وأموالهم حتى ضاق المسلمون ذرعا بهذه القذارة والانحطاط الأموي وتصرفات كفار قريش
وقرر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتراض قافلة لقريش يقودها المجرم اللعين أبو سفيان الذي نهب أموال المسلمين واعتدى عليهم وكذلك لمحاربة المعتدين المشركين اقتصاديا وإرجاع الحق لأهله
وقد وصلت الأخبار وجاء النذير لأبي سفيان بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قادم إليه
فأرسل الخبيث إلى كفار قريش في مكة ينذرهم
وغير طريق القافلة وهرب من أمام المسلمين
واستنفر أبو جهل في مكة هو ومن معه من المشركين وذهبوا لملاقاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى التقوا به في بدر وهي المعركة التي سطر فيها الرسول وبنو هاشم والصحابة المخلصون وخصوصا الإمام علي عليه السلام أعظم التضحيات والملاحم البطولية التي قصمت ظهور الكفار على كثرة عددهم ورفعت راية المسلمين على قلة عتادهم وعدتهم وانتصروا فيها انتصارا ملائكيا مؤزرا
وقد أباد أبو الحسن الكرار سلام الله عليه الكتائب والصناديد مما جعلهم يحقدون عليه حتى يومنا هذا
وهنا تفاصيل معركة بدر في هذه المقالة لمن أراد الإستزادة
http://fatimids.blogspot.com/2015/09/blog-post_55.html?m=1
على أن نكمل في المقالة القادمة ماجرى من أحداث وتفاصيل مهمة نكمل سردها في بقية السلسلة الكربلائية
وحتى نفهم كربلاء وقضية استشهاد الحسين عليه السلام وأصحابه تقدست أرواحهم ولتكوين صورة ناصعة متكاملة عن حادثة كربلاء لابد من سرد البدايات وسبر أغوار التاريخ الإسلامي والرجوع لهذه الحقبة المهمة حتى يفهم الباحث الراغب الجاد في الوصول لكنه الحقيقة ماهي مسببات كربلاء وكيف ولماذا تجرأ هؤلاء الكفرة الفجرة والشياطين المردة على أسياد الجنة وأطهر البشر وحتى يعلم أنهم لم يسلموا أساسا وإنما نافقوا لأجل الوصول لمآربهم والثأر لمقتل أشياخهم ببدر وأحد والخندق على يد أبطال بني هاشم وعبدالمطلب وعلى يد الحيدرة الكرار صلوات الله وسلامه عليهم
نستودعكم الله إلى لقاء قريب إن شاء الله
اللهم صلِّ على سيدنا محمد المصطفى المختار
وعلى وصيه الإمام المرتضى والبطل الكرار
وعلى الزهراء الزكية ذات السر والأنوار
وعلى الحسن المجتبى سيد الجنة والأبرار
وعلى الحسين الشهيد والإمام الهمام والبطل المغوار
وعلى الذرية المطهرة الطاهرة النجباء الأخيار
وبارك وسلم ماتعاقب الليل والنهار
والعن أعدائهم مادار الفلك الدورار
واحشرنا في زمرتهم في دار القرار
وبارك وسلم تسليما كثيرا
خادم العترة المطهرة
حمدان آل مخلص