تنقية العقائد والتخبط السائد
الحمد لله الذي خرست الألسن أن تتناول هويته بصفة وعجزت العقول
أن تدرك كيفيته بمعرفة ، فالأفكار إذا نهضت لتصوره آبت بالعجز منصرفة وفي الإحاطة
بما يجانسها من المخلوقات متصرفة ، جل أن يكون متجسما فيكون منقسما وتكبر أن يكون
متكثرا فيكون محتاجا إلى ما يكون إليه مستندا وبه معتصما
و تقدس أن يكون أوجد ذاته فيكون
قبل وجودها عدما وأوجده غيره فيكون له سابقا وعليه متقدما.
بهذه العبارات التوحيدية التقديسية العظيمة يبدأ بها في مقدمة
كتابه الذخيرة سيدنا العلامة العلم والمحيط الزاخر بالعلوم سيدنا الداعي المطلق
علي بن محمد بن الوليد الأنف قدس الله روحه وأعلى درجته ومكانه، أسوق هذه المقدمة
المبهرة العظيمة في توحيد الله وتنزيهه جل في علاه وكلي أمل في أن أشرع في ترتيب
سلسلة عن عقائد الدعوة النبوية الفاطمية الشريفة نوضح فيها ما أشكل فهمه على
الكثيرين ونبسط ما استشكل على بساط البحث ومائدة الحقائق العرفانية التي تنير قلوب
المتلهفين بأنوار العلوم الزكية الحكمية والاشراقات الفاطمية الزاهرة ونتمسك من
خلال علوم أولياء الله برسن اللآلئ العرفانية ونمتطي صهوة جياد الجنان العقلية
نسبر من خلالها غور الحقيقة والتوحيد الإلٰهي ونتعرف على حقيقة التوحيد والتنزيه
والتجريد لأن هذه العلوم هي أس المعارف ورأس الحقائق ومعرفتها هي أهم الأولويات في
حياة كل إنسان وهي التي يجب أن تتصدر المشهد لكل مؤمن وتتقدم على كل رغبة وطموح
وجهد وهدف وأن تكون هي غاية الغايات ومنتهى الأهداف والطموحات لأن بإدراك هذه
الحقائق الإلهية الإبداعية القدسية يكون الإنسان قد ولج مع باب المدينة
الفاضلة التي لطالما دبج فيها عظماء الفلاسفة والمفكرين والدعاة الأفذاذ أروع
الملاحم الفكرية والرسائل والكتب الحكمية المنيفة العظيمة
وهي الصراط الذي يسلك معه
العارفون والمؤمنون سبل النجاة للوصول إلى عالم الملكوت إذا قُرنت بالإخلاص في
العلم والعمل والقيام بالعبادات والتكاليف العلمية والعملية والسجود
والخضوع والخشوع لله الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى ولن تحصى.
وفي الحقيقة قد كنت أحجم وأقدم قبل نشر السلسلة لعدة عوامل
ومسببات وظروف وعوامل داخلية وخارجية مع التسويف القاتل كلها حالت دون ظهور هذا
العمل وظل حبيس الأدراج العقلية مغلقا عليه في حجرة الفكر حتى رأيت أنه بات لزاما
علي أن أطلق لها العنان لمَا رأيت أن الوقت قد حان ولم يعد هناك من مفر لعدة أسباب
لعل أهمها هو شح أو لنقل انعدام الرسائل والمؤلفات العقائدية بالذات في هذا العصر
الخطير المليء بالفتن والضلالات و التموجات الفكرية التي أخذت تعصف بالناس حتى
تاهوا وتركتهم حيارى وعطاشى في هذه المفازات المظلمة المدلهمة التي غشيت الجميع
بلا استثناء ومما ساهم في هذا التوهان هو توقف حركة العلم والتدوين نهائيا مما
سبب في ارتدادات فكرية وعقائدية ودينية خطيرة لأبناء الدعوة وأصبح هناك من يدين
بعقائد لا شأن لها إطلاقا بشريعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم
السلام ودعوتهم وتسبب هذا الفراغ الفكري و التدويني في بروز ظاهرة المفكرين الجدد
الذين أتوا بخليط جديد من العقائد والمذاهب وخطاب مزخرف تمويهي خادع جذبوا به عقول
العامة والشباب خاصة بسبب انعدام المعرفة والجهل بالعقائد الحقة والشريعة السمحاء وأخذت
تتقاذفهم هذه الأعاصير الفكرية العاتية وهم يعتقدون أن المنهج التائه لهؤلاء هو
الأسلم بسبب خلو الساحة من المفكرين المعتبرين الذين يملكون القدرة والعلم للتصدي
لهذا العبث والزيغ والتخبط والضلال، وبات الناس يقدسون هذه الأصنام الفكرية
الجديدة ويعتبرون أن كل ما يصدر منهم هو اليقين الذي لا يقين بعده وأنه لا يجوز
نقدهم ولا التصدي لأفكارهم وعقائدهم المختلطة لأنهم يرفعون راية التصدي للتكفيريين
والمتطرفين ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم وراجت سلعتهم في سوق البدع و التخرصات
والعقائد المنحرفة.
ووصل الأمر ببعض الشيعة أنه لم يعد يرى من أهمية لعملية الولاء
لأهل البيت والبراءة من أعدائهم ولا حتى الصلاة ليس بالضرورة أنها بهذه الأهمية
لأن المفكر الفلاني أو المضلل العلاني أخبرهم بأن كلمة الإنسانية تكفيهم ومن الممكن
أن يدخل الجميع للجنة بما في ذلك الملاحدة والكفار والفجار وربما فريق كرة القدم
البرازيلي ومايكل جاكسون أيضا بمجرد أن يقوموا ببعض الأعمال الإنسانية والتبرعات
المادية ولا داعي للعبادات والصدقة وأعمال البر الإسلامية، لأن الأهم عند هؤلاء المتثيقفين الهالكين
هو ما يطلبه المتابعون والعاجزون والكسلة وأصحاب الشهوات والهمم الردئية.
وأنا هنا من منبر القلم أدق ناقوس الخطر بأقوى ما أملك لتدارك
الوضع قبل فوات الأوان و لات حين مناص، فأهل البيت عليهم السلام ودعاتهم قدس الله
أرواحهم لم يتركوا شاردة من العلم و لا واردة من الحكمة إلا وأوردوها في كتبهم
وسطروها في مؤلفاتهم وأقوالهم وناقشوا قضايا التوحيد والإلٰهيات والتنزيه والعرش
والكرسي والقضاء والقدر والجنة والنار والثواب والعقاب وعالم الملكوت والملائكة
والكتب والرسل والأنبياء والجن وعالم الكون والفساد والفلسفة والمنطق وكل أبواب
الفقه بتفريعاته وتشعباته وأشبعوا كل ذلك بالأدلة النقلية والعقلية والمنطقية تحت
ضوء الكتاب والسنة النبوية الشريفة ولم يتركوا لأحد من عذر، وقد شددوا على
الاعتناء بالعبادات والتكاليف العملية مع العبادة العلمية وما تتضمنه من حكم
وضرورة الإيمان بدعائم الإسلام السبع:
1- الولاية.
2- الطهارة.
3- الصلاة.
4- الزكاة.
5- الصيام.
6- الحج.
7- الجهاد.
وأنه محرم بأي حال من الأحوال التفريط أو التهاون بهذه
العبادات أو حتى مجرد التفكير بذلك، وتأتي الولاية على رأس كل ذلك لأنها أساس
النجاة ورأس الدين وكل ما يندرج تحتها من تعاليم مثل عصمة الأئمة وطهارتهم
والبراءة من أعدائهم وما يجب علينا من الإيمان بها إيمانا قاطعا وسنفصل في ذلك في
هذه السلسلة إذا توفرت لنا الفرصة إن شاء الله تعالى.
ونستدل بهذا الدليل على ماأوردنا آنفا
فقد أورد القاضي النعمان رضوان
الله عليه في افتتاح كتاب الدعائم حديث سيدنا محمد الباقر بن علي عليه
السلام بقوله فقد روينا عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : "بني الإسلام على
سبع دعائم الولاية و هي أفضلها و بها و بالولي يوصل إلى معرفتها و الطهارة و
الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد".
ثم علق القاضي النعمان بقوله على الحديث وأهميته وسبب تأليفه
للدعائم بقوله: "فهذه دعائم
الإسلام نذكرها إن شاء الله بعد ذكر الإيمان الذي لا يقبل الله تعالى عملا إلا به
و لا يزكو عنده إلا من كان من أهله و نشفعها بذكر الحلال و الحرام و القضايا و
الأحكام لما في ذلك من التعبد و المفروضات في الأشرية و البياعات و المأكولات و
المشروبات و الطلاق و المناكحات و المواريث و الشهادات و سائر أبواب الفقه
المثبتات الواجبات و بالله نستعين و إياه نستوهب التوفيق لما يزكو لديه و يزدلف به
إليه و هو حسبنا و نعم الوكيل".
قال الله في محكم تنزيله: "وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وقال جل في
علاه: "وقل
اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستُردّون إلى عالِمِ الغيب والشهادة فينبئكم بما
كنتم تعملون"، وقال عز من قائل: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"، وقال جل جلاله: "الذين
يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون"، وغيرها من الآيات
والشواهد القرآنية والحديثية التي توضح ماهية الإيمان والولاية وكل ما يتعلق
بالعبادات العلمية والعملية.
قال سيدنا جعفر الصادق عليه السلام: "الإيمان قول باللسان و تصديق
بالجنان و عمل بالأركان". وهذا الحديث من الإمام الصادق عليه السلام يثبت بما لا يدع
مجالا للشك بضرورة أن يقرن العلم بالعمل والقول ولا يجوز الإيمان بأحدهما دون
الآخر وقد علق القاضي النعمان قدس الله روحه على هذا الحديث في معرض حديثه
عن الإيمان وفسره بشكل ميسر وجميل حيث قال: "وهذا الذي لا يصح غيره
لا كما زعمت المرجئة أن الإيمان قول بلا عمل و لا كالذي قالت الجماعة من العامة إن
الإيمان قول و عمل فقط و كيف يكون ما قالت المرجئة إنه قول بلا عمل و هم و الأمة
مجمعون على أن من ترك العمل بفريضة من فرائض الله عز و جل التي افترضها على عباده
منكرا لها أنه كافر حلال الدم ما كان مصرا على ذلك و إن أقر بالله وحده و صدق
رسوله بلسانه إلا أنه يقول هذه الفريضة ليست مما جاء به و قد قال الله عز وجل: "ووَيْلٌ للْمشْرِكينَ الذِين لا
يُؤْتُونَ الزَّكاةَ"، فأخرجهم من الإيمان بمنعهم الزكاة و بذلك استحل القوم
أجمعون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دماء بني حنيفة و سبى ذراريهم و
سموهم أهل الردة إذ منعوهم الزكاة".
وهذا التعليق بيان واضح من القاضي النعمان رضوان الله عليه
بأنه لا يجوز التفريط بأي عبادة من العبادات تحت أي عذر أو سبب كان وأحاديث
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطيبين الطاهرين واضحة في هذا الشأن لا
لبس فيها وقد أتى رجل يطلب شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما كان
من الرسول عليه الصلاة والسلام إلا أن رد عليه بقوله:
"أعني على ذلك بكثرة السجود".
وإني ناصح أمين للجميع أن يتثبتوا قبل أن ينجرفوا مع أي تيار
أو مذهب أو مدلس مموه يأتي بزخرف القول ليلبّس على الناس بعقائد مستحدثة وضلالات
وأباطيل تهوي بهم في مخارم التيه وتقذفهم في مهاوي الردى من حيث لا يعلمون وأن لا يعتمدوا
إلا ثقافة الدليل والبرهان الثابت الناصع من كتاب الله وسنة الرسول وأهل بيته
عليهم الصلاة والسلام وما أثبته دعاتهم وعلماء الدعوة الأفذاذ العظماء الذين بذلوا
مهجهم وأرواحهم وجهدهم ووقتهم وكل غالٍ ونفيس لينتشلوا الناس من قعر الهلاك
ومستنقعات الضلال وحفر النيران المحرقة والفتن المردية إلى رحاب الشريعة النبوية
السمحاء والعقائد السليمة الحقة وركوب سفينة النجاة التي أمرنا رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم بالتعلق بها وحذر وتوعد من تخلف عنها بالهلاك والغرق في طوفان
الضلالات فلا تتخلفوا عنها وتشبثوا بها ولا تنبذوا تعاليم الرسول وأهل بيته عليهم
السلام ظهريا ولا تصدقوا الدجالين وأصحاب الأهواء والمصالح الدنيوية وطلاب الشهرة
والأضواء وتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير
وشتان بين الذهب المصفى والعسجد
وبين التراب والطين فخذوا بأسباب النجاة وما ينفعكم واتركوا المهلكات وانبذوا أهل الفتن
وأقوالهم وما يضركم.
قال الله تعالى : "وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما
ينفع الناس فيمكث في الأرض".
وعلى الجميع أن يتبعوا ولا يبتدعوا ولا مجال للرأي والقياس
والاجتهادات والآراء الشخصية في الشريعة النبوية والدين بل يجب التسليم والإيمان
والطاعة والالتزام بما أتى في كتاب الله وسنة نبيه وأهل بيته صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين، فمن أراد سلوك طريق الإيمان وأن يكون في جملة المفلحين والمؤمنين
وجب عليه التمسك بالعروة الوثقى والتسليم لهم وعدم مخالفة أوامر الله ورسوله وولاة
الأمر من الأئمة وأهل البيت عليهم السلام.
قال الله في كتابه الكريم:
"وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
وقال سبحانه وجل جلاله: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم".
وقال عز وجل: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
وفي
ختام هذه اللمحة السريعة والخاطفة بقي أن أنوه أنني سأعتمد في هذه السلسلة على
كتاب الله وسنة نبيه والأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وما أثبته دعاة
وعلماء الدعوة مراعيا الأمانة في نقل النصوص والشواهد الاستدلالية و الحديثية
وتفاسير الدعوة حرفيا وبالنص وما أوردوه من براهين وأدلة وتوضيح ما يمكن أن يستشكل
فهمه و يستغمض في بعض الأمور معتمدا على ما ثبت عن أهل البيت عليهم السلام ودعاتهم
الفخام قدس الله أرواحهم أجمعين.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم ويجعلنا من أهل الطاعة والخير
والرشاد والسداد وأن يثبتنا على ولاية الرسول وأهل بيته الطيبين الطاهرين عليهم
أفضل الصلوات وأتم التسليم، وأن لا تزيغ قلوبنا وأن يرزقنا نور العلم و الهداية
والإيمان والصلاح وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وبارك وسلم.
حمدان آل مخلص