نصير الفقراء
لو سألت أحدهم هل تعرف لولا دا سيلفا؟
في الغالب سيجيبك بالنفي وأن هذا
الاسم غريب عليه أما باراك أوباما رئيس أقوى دولة في العالم، فقد قال عنه أنه أشهر
سياسي على وجه الأرض، فما هي حكايته؟ وماذا حقق وكيف وصل لهذه المكانة؟
كان قدر الطفل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أن يولد في عام
١٩٤٥م في أقسى ظروف الحرمان والعوز في شمال شرق البرازيل ضمن سبعة أبناء وبنات مع
أب جاف لايبالي إلا بنفسه ومصلحته مما حداه إلى أن يسافر إلى ساوباولو بحثا عن
وظيفة، وترك هذا الحمل الثقيل على الأم التي كان لها دور عظيم في صقل وبناء أعظم
شخصية مرت في تاريخ البرازيل فقررت أريستيدس الرحيل برفقة أبنائها للّحاق بزوجها الذي
تفاجأت أنه تزوج ابنة عمه ونسي عائلته وغدر برفيقة دربه وتركها تصارع الحياة
والفقر وشظف العيش واضطرت أن تعيش في أقذر أحياء ساوباولو خلف ملهى ليلي قذر مرغمة
بسبب الفقر المدقع والظروف الشاقة القاسية مع هذا الحمل الثقيل القاسي، وهي لاتعلم
كيف ستعيل أطفالها وتعلمهم وتحافظ عليهم من العصابات الإجرامية والفساد والمخدرات
في ظل اقتصاد منهار تماما وفساد ينخر كافة مفاصل الدولة، واضطر الطفل الصغير لولا
داسيلفا أن يعمل ماسح أحذية في أحياء ساوباولو لتأمين لقمة العيش مع مواصلة
التعليم رغم هذا الفقر القاسي إلا أن أمه كانت تزرع فيه كل قيم النجاح والسمو
والإخلاص وأنه لاعيب في الفقر والحرمان.
يقول لولادا سيلفا عن أمه: "لقد علمتني كيف أمشي مرفوع
الرأس وكيف أحترم نفسي حتى يحترمني الآخرون".
واستمر هذا الطفل المكافح في التعلم والدراسة حتى اضطر أن يترك
مقاعد الدراسة وهو في سن العاشرة عندما أطبق عليهم الفقر بأنيابه ولم يعد قادرا
على الاستمرار بسبب الظروف القاسية الرهيبة، فتدرج في المهن الصعبة من ماسح أحذية
إلى محطات الوقود ثم بائع خضروات وأخذ يتنقل بين هذه المهن الصعبة حتى أصبح
ميكانيكيا، ثم طور من نفسه وبحهود شخصية وأم رائعة تحثه وتدفعه للأمام وتشد من
أزره رغم ألمها إلى أن استطاع أن يحصل على وظيفة جيدة في معمل متخصص في مجال
التعدين، كان دا سيلفا مع فقره وهمومه طموحا وشخصية تواقة للمجد تطمح لتغيير أوضاع
الفقراء وتطوير بلاده ورأسه مرفوعة بتوصيات وتعليمات هذه الأم الرائعة النادرة
التي استطاعت صنع عائلة طموحة قوية متماسكة قي وجه أعاصير الفقر والفساد وشظف
العيش، وقد تعرض لحادثة قاسية في سن التاسعة عشرة عندما بترت اصبعه بسبب اهمال
أصحاب المصانع لسلامة العمال، ورغم ماعاناه في رحلة البحث عن العلاج إلا أن ذلك
زاده إصرارا على المواصلة والكفاح في طريق المجد في سن مبكرة، وخاض غمار العمل
النقابي مع أخيه فريرا داسيلفا حتى أصبح نائبا لرئيس نقابة عمال الحديد وفي عام
١٩٧٨ نجح لولا بطريقة ديموقراطية في انتخابات النقابة وأصبح رئيس النقابة التي
كانت تضم أكثر من ١٠٠ ألف عامل في مجال تصنيع السيارات وكبريات الشركات العالمية.
وبدأت رحلة الكفاح السياسي مع مايمتلكه من قدرة خطابية ألهبت
الجماهير ضد سياسات الحكومة الفاسدة والجيش الذي أفسد الحياة العامة في البرازيل
فتم سجنه في ١٩٨٢ وأطلق سراحه في العام الذي يليه، فزاده ذلك إصرارا ومضيا في
الإصلاح ومواجهة أعتى قوى ومؤسسات الفساد في الثمانينات وقد استطاع ترسيخ
الديموقراطية بمشاركة النخب السياسية الإصلاحية وساهم في كتابة الدستور وحقق
نجاحات مبهرة ومساهمة فعالة في تفكيك مؤسسات الفساد التي كانت تهيمن على كل مفاصل
الدولة عبر المطالبة بأن يكون انتخاب الرئيس شعبيا عبر صناديق الإقتراع وليس عن
طريق البرلمان، وقد رشح نفسه في انتخابات حكومة ساوباولو في ١٩٨٣ بعد خروجه من
السجن مباشرة ولم يحالفه الحظ في أول مرة وكافح حتى استطاع الحصول على مقعد في
البرلمان نائبا عن ساوباولو، وشارك أيضا في أول انتخابات للرئاسة البرازيلية عام
١٩٨٩م ولم ينجح فيها رغم أنه من الأسباب الرئيسية لتحقيق حلم الشعب بانتخاب
الرئيس، وترشح بعدها مرتين في ١٩٩٤ و١٩٩٨ ولم يصل لسدة الرئاسة وتحقيق حلمه
السامي، واستمر يعمل دون كلل حتى نجح في انتخابات ٢٠٠٢ وأصبح رئيسا للبرازيل
وأمامه تحديات جمة وتركة ثقيلة وبلد منهار اقتصاديا ومثقل بالديون والملايين الذين
يعيشون تحت خط الفقر وكانت مهمة الإصلاح والنهضة شبه مستحيلة.
فماذا صنع هذا الرجل الذي كانت كل حياته ومصاعب وقسوة وتحديات
خاصة أنه أول رئيس يساري منتخب والنخب التجارية ورجال الأعمال يتخوفون من تطبيقه
لسياسات تزيد الطين بلة أو ربما يكون حلقة جديدة في سلسلة الفساد والإنهيار؟
ولم يعرفوا أنه لولا داسيلفا الذي سيكون القائد الملهم الوطني
المخلص حبيب الشعب وزعيم الفقراء أتى إلى السلطة والبرازيل تعاني من البطالة وتدني مستويات
التعليم والإنهيار الإقتصادي وتهاوي الريال البرازيلي أمام الدولار الأمريكي و
وجود عشرين مليون تحت خط الفقر وهجرة الكفاءات والعقول وبلد طارد للإستثمارات بسبب
ارتفاع معدلات الجريمة وتدني مستويات التعليم وتفشي الفساد وانعدام الثقة الدولية
في السوق البرازيلي مع ماصاحب ذلك من وجود فروق طبقية كارثية بين طبقة الأغنياء
والثراء الفاحش وبين الفقراء المعدمين والمسحوقين مما أدى إلى انعدام الطبقة
الوسطى التي هي العامل الرئيس والمحرك الحقيقي لنهضة الأمم والدول وتقدم الشعوب،
يا لها من تحديات ،ويا لها من مهمة صعبة وشاقة.
فقرر دا سيلفا أن يخوض غمار هذا التحدي وقلبه مفعم بالأمل وقيم
الحب والإخلاص لوطنه تملأ جوانحه ورغبة عارمة في النهوض بالبرازيل وتحقيق حلمه في
مساعدة الفقراء وتحسين أوضاعهم المعيشية وطبق برنامجا اقتصاديا فريدا من نوعه مع
سياسة تقشف صارمة وأخذ يعمل بهمة وذكاء ويحارب في ظل ظروف قاسية ورهيبة، وكاشف
شعبه وصارحه بضرورة الصبر والتكاتف في هذه المرحلة الحرجة والمرة والصعبة لكي ينهض
بهم من هذا التخلف على كافة الأصعدة فما الذي حصل؟
حصل ما لا يمكن أن يفكر فيه أكثر
الناس تفاؤلا، لقد استطاع لولا داسيلفا خلال دورتين رئاسيتين وثمان سنوات فقط أن
يسدد كل ديون البرازيل وكذلك انتشال مايقرب من عشرين مليون من تحت خط الفقر وإنشاء
طبقة وسطى تحسنت معيشتها بنسبة لا تصدق وبحوالي ٧٠٪
كذلك عودة مليوني مهاجر ثم تحققت
المفاجأة الكبرى بأن أصبحت البرازيل القوة الاقتصادية السابعة على مستوى العالم
وقفز تصنيفها الائتماني عالميا مما جعلها من الدول التي تنافس أكبر الاقتصاديات
بعد أن كانت خارج الخارطة الاقتصادية والسياسية، وقد تحسنت السياحة البرازيلية ضمن
خطط وبرامج رائدة جعلت من البرازيل بلدا سياحيا ينافس الغرب والدول السياحية
الكبرى، كذلك قفزت الرياضة في عهده قفزة كبيرة حتى حقق أهم إنجاز في تاريخ
البرازيل بل وقارة أمريكا الجنوبية بأسرها بعد أن نال الموافقة على أن تكون
البرازيل مقرا لبطولة الألعاب الأولمبية في العام القادم ، وساهم كذلك في تحديث الجيش والصناعات
العسكرية وتقدمها بشكل صنع للبرازيل هيبة إقليمية ودولية.
وكان هناك إنجاز لابد أن نتوقف عنده قليلا إنجاز لا يحققه
إلا رجال من شاكلة لولا دا سيلفا من الأبطال النادرين
فكما تعلمون أن صناعة الطائرات
المدنية في العالم تهيمن عليها شركتي بوينج الأمريكية و الإيرباص الأوربية
العالميتين فماذا صنع هذا المناضل اليساري البطل؟
جعل شركة إمبراير البرازيلية هي
الشركة الثالثة المنافسة لهذه الشركات الضخمة، وأصبحت من أهم الشركات التي تصمم
الطائرات على مستوى العالم، ورغم وجودها منذ الستينات إلا أنها لم تحقق هذه
النجاحات المبهرة إلا في عهد لولا داسيلفا، العجيب والمذهل أن طائرات إمبراير
أصبحت تمثل ٣٧٪ من أسطول شركات الطيران الإقليمية في الولايات المتحدة، وقد بلغت
طلبات الشراء على الشركة ١٨٠٦ طائرة بعوائد تبلغ ١٥ مليار دولار، حيث تطورت صناعات
الشركة من تصنيع الطائرات ب٥٠ راكب مرورا ب ٧٠ إلى ١٢٠ راكبا، وقد أصبحت الخطوط
الجوية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والكندية تستخدم هذا الطراز بسبب جودة
صناعتها وماتحمله من خصائص فريدة بسبب قدرتها على امتصاص المطبات الهوائية وتجنبها
وهي كذلك لاتصدر ضوضاء مزعجة كبقية الطائرات من الشركات المنافسة مما جعلها في
مصاف الشركات العالمية وارتفاع طلبات الشراء عليها
وقد حققت الشركة أيضا نجاحا مبهرا
في مجال الطائرات الفاخرة لرجال الأعمال وهي تسيطر على ١٤ ٪ من حجم المبيعات في
هذا السوق التنافسي، بل وصل بها النجاح بقيادة الرئيس لولا داسيلفا أنها قامت
بتصنيع طائرة حربية ضخمة من طراز 390 -kc لتنافس الطائرة الأمريكية العملاقة 130-c.
وعندما حاول أن يقنعه الرئيس الأمريكي الأحمق السابق جورج الابن
بالمشاركة في العمليات في العراق
رفض العرض وأخبره بأن فقراء
البرازيل أهم من المشاركة في هذه الحروب، كل هذه النجاحات وهذا غيض من فيض بفضل
عقلية وإخلاص وسياسات هذه الشخصية المبهرة المكافحة التي نادرا ما يجود التاريخ
بمثلها، وبعد أن نهضت البرازيل ورأى لولا داسيلفا بلده وهو ينفض غبار التخلف من
على متنه خلال ثمان سنوات فقط، انتهت ولايته الرئاسية وحان وقت الرحيل، فما الذي
حدث؟ خرج الشعب
البرازيلي عن بكرة أبيه وهو يهتف باسم هذا القائد العظيم ودموع الجماهير الغفيرة
تتساقط والصيحات تتعالى تطالبه بالبقاء وتهتف باسمه وتطالبه بإجراء استفتاء لتعديل
الدستور حتى يسمح له بولاية رئاسية ثالثة وقد أحاطت بالقصر الرئاسي حبا ووفاء لهذا
القائد الفذ.
فخرج عليهم ودموعه تنهمر كالمطر وهو يرى كل هذا الحب من شعب
قاسى وعاني الويلات اختلطت دموع لولا داسيلفا بالذكريات القاسية وقصة كفاح مريرة وطفولة
قاسية وآلام يشوبها الفرح ومشاعر السعادة برؤية كل هذا النجاح والحب كان يبكي
أمام شعبه وهو يتذكر تعاليم أمه الرائعة وكيف كانت توصيه أن يرفع رأسه ويحترم نفسه
حتى يحترمه الآخرون لقد رأى ذلك الاحترام يتجسد فعلا في هذا الحشد المليوني الذي خرج من
تلقاء نفسه يدفعه الحب لرئيسه الذي كان نصيرا للضعفاء والفقراء وأحبه الأغنياء
والمعدومون والجميع وكسب احترام العالم لأنه حقق حلم كل برازيلي يطمح للارتقاء
ببلد كان في الحضيض.
ولكن لولا داسيلفا رفض هذا الطلب وشكر شعبه وأخبره بأنه كافح
لترسيخ قيم الديموقراطية ومحاربة الدكتاتورية والفساد والمحافظة على الدستور الذي
ناضل من أجله ولن يجري الاستفتاء وإن كان برغبة جارفة من الشعب احتراما لتاريخه
ومبادئه، خرج لولا داسيلفا وقد أخرج البرازيل من كهوف التخلف وانتشلها من وحل
الفقر والهوان والتراجع القاتل وطار بها إلى فضاءات العالمية والتقدم والمدنية حتى
أصبحت في مصاف أرقى الدول عالميا.
الطريف في الأمر أنه أخذ يقترض ويستدين المال من أصدقائه لكي
يكمل مشواره كمواطن عادي ويبني منزله ، نعم؛ لولا داسيلفا يفعلها ويخرج وهو
لايملك شيئا من كل هذه المليارات والأموال لأنه لولا داسيلفا وابن أرستيدس هذه
الأم العظيمة التي أنجبت وربت وزرعت فحصدت أمة بأكملها؛
الأم مدرسة إن أعددتها :: أعددت شعبا طيب الأعراق
سواء كنت طالبا مهموما
أو موظفا محبطا أو تاجرا
خسرت تجارتك أو مهما كانت ظروفك وقسوتها
فتذكر أن لولا داسيلفا خاض كل هذا
الألم ونهض بأمك كاملة؛
شكرا لولا داسيلفا...
شكرا أرستيدس...
ولا شكر ولاعزاء للحكام العرب العملاء وأبنائهم اللصوص...
هذا هو لولا داسيلفا ...
حمدان آل مخلص